إنَّ الْحَمدَ للَّهِ ، نحمدُهُ ، ونستعينُهُ ، ونستغفرُهُ ، ونعوذُ باللَّهِ مِنْ شُرُورِ أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا ، مَنْ يهده اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ له ، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَادِي لَهُ ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللَّهُ وحده لا شريكَ لَه، وأشهد أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ .
أما بعد .....
إن كلمة التوحيد جعلها الله تعالى عنوان الدخول في الإسلام ، وثمن الجنة ومفتاحها ، كما جعلها سبب النجاة من النار ومغفرة الذنوب ، وتواردت أحاديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه المعاني .
فمنها : ما جعل الإتيان بالشهادتين سببًا لدخول الجنة وعدم احتجاب قائلها عنها ؛ فإن النار لا يُخلد فيها أحد من أهل التوحيد الخالص ، ففي " الصحيحين " عَنْ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ ، وَالنَّارُ حَقٌّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَلِ " ، وفيهما : أَنَّ أَبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ وَهُوَ نَائِمٌ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدْ اسْتَيْقَظَ ، فَقَالَ : " مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ " ، قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ ، قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ، قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ ، قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ، قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ ، قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ ، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا ، قَالَ : وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ " .
قال الإمام ابن رجب رحمه الله : " وحديث أبي ذر معناه : أن الزنى والسرقة لا يمنعان دخول الجنة مع التوحيد ، وهذا حق لا مرية فيه ، وليس فيه أنه لا يُعذب عليهما مع التوحيد " .
ومن الأحاديث النبوية : ما جاء بيانًا لتحريم دخول النار على من أتى بالشهادتين ، ففي " الصحيحين " عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ ، قَالَ : يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، قَالَ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ، قَالَ : يَا مُعَاذُ ، قَالَ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا ، قَالَ : " مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ " ، إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية الشريفة .
وقد يُصاب بعض الناس بالغفلة عن حقيقة التوحيد وشرط النجاة ، ويغتر بكلمة يُديرها على لسانه دون أن يفقه معناها ؛ يظنها مفتاحًا للجنة بمجرد نطقها باللسان غافلاً عن شروطها التي ينبغي أن تتحقق ، ومقتضياتها التي ينبغي أن يعمل بها .
قيل للحسن البصري رحمه الله : إن ناساً يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ؟ ، فقال : " من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة " ، وقيل لوهب بن منبه رحمه الله : أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة ؟ ، قال : " بلى ، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان ، فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتِحَ لك ، وإلا لم يُفتح لك " .
ويدل على صحة هذا القول : أن النبي صلى الله عليه وسلم رتب دخول الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص ، فقد تواردت آيات وأحاديث تبين توقف دخول الجنة والنجاة من النار على من فعل الفرائض واجتنب المحارم .
والأحاديث المطلقة التي جاءت تبين أن دخول الجنة وتحريم النار معلق على " شهادة أن لا إله إلا الله " جاءت أحاديث أخرى تقيدها ، ومن القواعد المقررة : أن المطلق يُحمل على المقيد ، فإذا جاءت نصوص مطلقة وأخرى متحدة معها في الحكم والسبب ، فإنه يُحمل النص المطلق على المقيد ، ففي بعضها : من قال : " لا إله إلا الله مخلصًا ... " ، وفي بعضها : " مستيقناً بها قلبه .." ، وفي بعضها : " صدق لسانه .. " ، وفي بعضها : " يقولها حقا من قلبه .. " إلخ ، وكذلك علقت الأحاديث دخول الجنة على : العلم بمعنى لا إله إلا الله ، ونصوص أخرى تبين الثبات على هذه الكلمة ، ونصوص أخرى تدل على وجوب الخضوع لمدلولها .. إلخ ، ومما سبق كله استنبط العلماء رحمهم الله تعالى شروطًا لابد من توافرها مع انتفاء الموانع حتى تكون كلمة " لا إله إلا الله " مفتاحًا للجنة ، وهذه الشروط هي أسنان المفتاح ، ولابد من أخذها مجتمعة ؛ فإن شرطًا منها لا يُغني عن سائر الشروط .
ولعل هذه الشروط تكون واضحة من الإشارات التي سنشير إليها في هذه العجالة ، فاحرص عليها أيها المسلم وتحقق بها ؛ لئلا تقف أمام باب الجنة فترد لأنه لا يفتح لك ! :
1- إن لكل شيء حقيقة ، ولكل كلمة معنى ، فينبغي أولاً : أن تعلم معنى كلمة التوحيد " لا إله إلا الله " علمًا منافيًا للجهل بها في النفي والإثبات ، فهي تنفي الألوهية عن غير الله تعالى ، وتثبتها له سبحانه ، فلا معبود بحق إلا الله ، ومن الأدلة على هذا الشرط : قول الله تعالى : " فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ " [ محمد : 19] ، وقوله تعالى : " شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ والْمَلائِكَةُ وأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ " [ آل عمران : 18 ] ، وقوله تعالى : " إلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وهُمْ يَعْلَمُونَ " [ الزخرف : 86 ] ، وأخرج مسلم في " صحيحه " عَنْ عُثْمَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ " ، ويكتمل هذا الشرط بما يليه ، وهو الشرط الثاني .
2- اليقين المنافي للشك ، ومعنى ذلك : أن تستيقن يقينًا جازمًا بمدلول كلمة التوحيد ؛ لأنها لا تقبل شكًا ولا ظنًا ، ولا ترددًا ولا ارتيابًا بل ينبغي أن تقوم على اليقين القاطع الجازم ، فقد قال الله تعالى في وصف المؤمنين الصادقين : " إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا " [ الحجرات : 15 ] ، فلا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين بل لابد من استيقان القلب ، والبعد عن الشك ، فإن لم يحصل هذا اليقين فهو النفاق ، والمنافقون هم الذين ارتابت قلوبهم ، قال الله تعالى : " إنَّمَا يَسْتَئْذِنُكَ الَذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ وارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ " [التوبة : 45] .
3- وإذا علمت ، وتيقنت ، فينبغي أن يكون لهذا العلم اليقيني أثره ، فيتحقق الشرط الثالث وهو : القبول لما اقتضته هذه الكلمة بالقلب واللسان ، فمن رد دعوة التوحيد ولم يقبلها كان كافرًا سواء كان ذلك الرد بسبب الكبر أو العناد أو الحسد ، وقد قال الله سبحانه وتعالى عن الكفار الذين ردوها استكبارًا : " إنَّهُمْ كَانُوا إذَا قِيلَ لَهُمْ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ " [ الصافات : 35 ] ، أما المؤمنون الذين قبلوا هذه الكلمة وعملوا بمقتضاها فلهم النجاة عند الله تعالى وعدًا منه ، لا يخلف الله وعده ، " ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقاًّ عَلَيْنَا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ " [ يونس : 103] .
4- الشرط الرابع : الانقياد للتوحيد الذي دلت عليه هذه الكلمة العظيمة انقيادًا تامًا ، وهذا الانقياد والخضوع هو المحك الحقيقي للإيمان ، وهو المظهر العملي له ، ويتحقق هذا ويحصل بالعمل بما شرعه الله تعالى ، وبترك ما نهى عنه ، وذلك هو الإسلام حقيقة ، إذ هو : أن يُسلم العبد ويستسلم بقلبه وجوارحه لله تعالى ، وينقاد له بالتوحيد والطاعة ، كما قال سبحانه : " ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلَى اللَّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى " [ لقمان : 22] ، وأقسم سبحانه وتعالى بنفسه أنه لا يؤمن المرء حتى ينقاد لحكم الله وحكم رسوله : " فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً " [ النساء : 65] .
5- الشرط الخامس : الصدق في قول كلمة التوحيد صدقاً منافيًا للكذب والنفاق ، حيث يجب أن يواطئ قلبه لسانه ويوافقه ؛ فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم ولكن لم يطابق هذا القول ما في قلوبهم فصار قولهم كذبًا ونفاقًا مخالفًا للإيمان ، ونزلوا في الدرك الأسفل من النار : " يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ " [ الفتح :11] ، في آيات كثيرة وسور بمجملها في القرآن الكريم تتحدث عنهم ، وفي " الصحيحين " عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ " ، فاشترط الصدق من القلب .
6- المحبة ، وهي الشرط السادس ، فيحب المؤمن هذه الكلمة ، ويحب العمل بمقتضاها ، ويحب أهلها العاملين بها ، وإلا لم يتحقق الإيمان ، ولم تكتب له النجاة ، ومن أحب شيئًا من دون الله فقد جعله لله ندًا ، وعلاقة حب العبد ربه تقديم محابه وإن خالفت هواه ، وموالاة من والى الله ورسوله ، ومعاداة من عاداه وإتباع رسوله صلى الله عليه وسلم ، واقتفاء أثره ، وقبول هداه ، وهذه كلها شروط في المحبة لا تتحقق إلا بها ، وهى مؤشر على حب الله للعبد بعد ذلك .
وحتى لو تحققت تلك الشروط السابقة كلها ولكنها فقدت الروح فيها ، وفقدت سبب القبول عند الله فإنها لا تنفع صاحبها ما لم يحقق سبب ذلك القبول ، وهو الشرط السابع .
7- الإخلاص ، ومعناه : صدق التوجه إلى الله تعالى ، وتصفية العمل بصالح النية من كل شائبة من شوائب الشرك وألوانه ، وقد تواردت الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة تؤكد هذا الشرط ، وتجعله سببًا لقبول الأعمال عند الله تعالى ، قال تعالى : " ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ " [ البينة : 5] ، " فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ " [ الزمر : 2] ، وفي حديث عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ في " الصحيحين " قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ " ، والآيات والأحاديث في الإخلاص كثيرة جدًا ، فهو سبب القبول عند الله عز وجل فلا يقبل الله تعالى من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه وموافقًا لشرعه .
فاحرص أيها المسلم على كلمة التوحيد بشروطها تلك ، واحذر من كل ما يُنافيها ؛ فإن ما يُنافيها ويُوقع في الشرك قد يكون أخفى من دبيب النمل .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في " النونية " مشيرًا إلى أسنان هذا المفتاح الذي تُفتح به أبواب الجنة ، وهي العمل بشرائع الإسلام ، وتحقيق تلك الشروط السابقة ، فقال :
هذا ، وفتحُ الباب ليس بممكن *** إلا بمفتاح على أسنان
مفتاحه بشهادة الإخلاص والتو *** حيد ، تلك شهادة الإيمان
أسنانه الأعمال ، وهو شرائع *** إسلام ، والمفتاح بالأسنان
لا تلغين هذا المثال فكم به *** من حل إشكال لذي العرفان
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .





