حجاب المرأة الشرعي
إنَّ الْحَمدَ للَّهِ، نحمدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللَّهِ مِنْ شُرُورِ أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، مَنْ يهده اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَادِي لَهُ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللَّهُ وحده لا شريكَ لَهُ، وأشهد أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ.
أما بعد.....
تعريف الحجاب
الحَجْبُ والحِجابُ في اللغة: المنع من الوصول، يُقال: حَجَبَه، أي: منعه حَجْباً وحِجاباً، ومنه: قيل للسِّتر الذي يحول بين شيئين: حجاب؛ لأنه يمنعُ الرؤيةَ بينهما، وسُمِّي حجابَ المرأةِ حِجاباً؛ لأنه يمنع المشاهدة، ومنه قوله تعالى: " وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ ".
أما في الشرع: فهو حَجْبُ المرأةِ المسلمةِ من غيرِ القواعدِ من النساءِ عن أنظارِ الرجالِ غيرَ المحارمِ لها.
أدلة ستر الوجه والكفين
القرآن
الدليل الأول:
قال تعالى: " وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ " [ الأحزاب: 53 ]
هذه آيةُ الحجابِ، وهي أولُ آيةٍ نزلت في شأنه، وعلى أثرها حجبَ رسولُ الله ﷺ نساءَه، وحجبَ المؤمنون نساءَهم، وهي مما وافقَ تنزِيلُها قولَ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه، وكان وقت نزول آيةَ الحجابِ في صبيحة عرس رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش التي تولى الله تعالى تزويجها بنفسه، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة، وهو قول أكثر المفسرين.
قوله تعالى: " وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ "، المتاعُ: عاريةٌ، أو حاجةٌ، أو فتوى، أو صُحفُ القرآن، ولا يُقال أن قوله تعالى: " وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ " خاصةٌ بأزواجِ النبيِّ ﷺ؛ فإن تعليله سبحانه وتعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله تعالى " ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ " قرينةٌ واضحةٌ على إرادة تعميم الحكم؛ إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين إن غير أزواج النبيّ ﷺ لا حاجة إلى أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهنّ، ففي هذه الآية الكريمة دليل واضح على أن وجوب الحجاب حكم عام في جميع النساء لا خاص بأزواجه ﷺ وإن كان أصل اللفظ خاصًّا بهن، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين.
الدليل الثاني:
قال تعالى: ] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [[ الأحزاب: 59].
قال السيوطي: " هذه آية الحجاب في حق سائر النساء، ففيها: وجوب ستر الرأس والوجه عليهن ".
وسبب نزولها: أن الفُسَّاق كانوا يؤذون النساء إِذا خرجن بالليل، فإذا رأوا المرأة عليها قناع تركوها؛ وقالوا: هذه حُرَّة، وإِذا رأوها بغير قناع، قالوا: أَمَة، فآذَوها، فنزلت هذه الآية، قاله السدي.
ففِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الشَّابَّةَ مَأْمُورَةٌ بِسَتْرِ وَجْهِهَا عَنْ الْأَجْنَبِيِّينَ، وَإِظْهَارِ السِّتْرِ وَالْعَفَافِ عِنْدَ الْخُرُوجِ؛ لِئَلَّا يَطْمَعَ أَهْلُ الرِّيَبِ فِيهِنَّ.
والجلباب: جمعه جلابيب، وهو: كساءٌ كثيفٌ تشتمل به المرأة من رأسها إلى قدميها، ساتر لجميع بدنها، ويقال له: المُلاءة، والمِلْحَفة، قال القرطبي: قوله تعالى: " مِن جَلَابِيبِهِنَّ " الصحيح: أنه الثوب الذي يستر جميع البدن .
روى أبو داود ـ وصححه الألباني ـ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: " لَمَّا نَزَلَتْ " يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ " خَرَجَ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِنَّ الْغِرْبَانَ مِنْ الْأَكْسِيَةِ "، " الْغِرْبَان " جَمْع غُرَاب، " مِنْ الْأَكْسِيَة " جَمْع كِسَاء، شَبَّهَتْ الْخُمُر فِي سَوَادهَا بِالْغُرَابِ.
الدليل الثالث:
قال تعالى: " يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى " [ الأحزاب: 32، 33 ]
ومحل الشاهد منه قوله تعالى: " وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى "
" وَقَرْنَ " معناه: اقررن في بيوتكن، من القرار في مكان، أي: الزمن بيوتَكُن، من قولهم: قررت بالمكان أقرُّ قرارًا.
وذكر الجصاص في " أحكام القرآن " عن محمد بن سيرين، قال: قيل لسودة بنت زمعة: ألا تخرجين كما تخرج أخواتك ؟، قالت: والله لقد حججت واعتمرت، ثم أمرني الله أن أقر في بيتي، فو الله لا أخرج. فما خرجت حتى أخرجوا جنازتها ".
وفيه الدلالة على أن النساء مأمورات بلزوم البيوت، منهيات عن الخروج.
الدليل الرابع:
قال تعالى: " وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ " [ النور: 31 ]
وفي هذه الآية دليلان:
الدليل الأول: قوله تعالى " وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا " أي: لا يظهرن شيئاً من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه، قال ابن مسعود: كالرداء والثياب، فالنظر إليه لا يستلزم رؤية شيء من بدنها.
والدليل الثاني: قوله تعالى " وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ " الخمار: مفرد، جمعه: خُمُر، ويدور معناه على: السَّتر والتغطية، وهو: ما تغطي به المرأة رأسها ووجها وعنقها وجيبها، فكل شيءٍ غطَّيْتَه وستَرْتَهُ فقد خَمَّرته، ومنه: خمار المرأة؛ لأنه يستر وجهها، ويقال: اختمرت المرأة وتخمَّرت إذا احتجبت وغطَّت وجهها، والجيوب مفردها: جيب، وهو شق في طول القميص.
ويدل لهذا التفسير: أن هذا هو الذي فهمه نساء الصحابة رضي الله عن الجميع، فعملن به، وعليها ترجم البخاري في " صحيحه " فقال: بَاب " وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ "، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ؛ لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ " وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ " شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا.
" مُرُوطهنَّ " جَمْع مِرْط، وَهُوَ الْإِزَار، " فَاخْتَمَرْنَ " أَيْ: غَطَّيْنَ وُجُوهَهُنَّ.
وهذا الحديث الصحيح صريح في أن النساء الصحابيات المذكورات فيه ـ وهن السَّابِقَات مِنْ الْمُهَاجِرَات ـ فهمن أن معنى قوله تعالى: " وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ " يقتضي: ستر وجوههن، وأنهن شققن أُزُرَهن فاختمرن، أي: سترن وجوههن بها؛ امتثالاً لأمر الله تعالى.
السنة
1 ـ روى البخاري في " صحيحه " عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنْ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ ؟، فَقَالَ النَّبِيُّ r: " لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْبَرَانِسَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا الْوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ ".
وَالْقُفَّاز: مَا تَلْبَسهُ الْمَرْأَة فِي يَدهَا فَيُغَطِّي أَصَابِعهَا وَكَفَّيْهَا، فَقَولَ النَّبِيُّ r: " وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ " مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّقَابَ وَالْقُفَّازَيْنِ كَانَا مَعْرُوفَيْنِ فِي النِّسَاءِ اللَّاتِي لَمْ يُحْرِمْنَ وَذَلِكَ يَقْتَضِي سَتْرَ وُجُوهِهِنَّ وَأَيْدِيهِنَّ.
ومعنى قَولَ النَّبِيُّ r: " وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ " أَنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ فَلَهَا أَنْ تُغَطِّيَ وَجْهَهَا وَيَدَيْهَا لَكِنْ بِغَيْرِ اللِّبَاسِ الْمَصْنُوعِ بِقَدْرِ الْعُضْوِ.
2 ـ روى الترمذي، وغيره ـ و صححه الألباني ـ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r: " مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ ؟، قَالَ: يُرْخِينَ شِبْرًا، فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ ؟!، قَالَ: فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ ".
وفي هذا الحديث: أن المرأة كلها عورة في حق الرجال الأجانب، وقد أقر النبي r النساء على جعل القدمين من العورة، وإذا كان الأمر هكذا في القدمين فكيف بما فوقها من سائر أجزاء البدن، ولا سيما الوجه الذي هو مجمع محاسن المرأة، وأعظم مما يفتن به الرجال.
3 ـ وفي " الصحيحين " عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ بَعْدَ مَا نَزَلَ الْحِجَابُ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللهِ r؛ فَإِنَّ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ !!، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ r، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ، قَالَ: ائْذَنِي لَهُ؛ فَإِنَّهُ عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ ".
في رواية أخرى للبخاري فَقَالَ: " أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ ؟!، فَقُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ ؟، قَالَ: أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي ".
قال ابن حجر: " وَفِيهِ: وُجُوب اِحْتِجَاب الْمَرْأَة مِنْ الرِّجَال الْأَجَانِب ".
ما تقدم من الأدلة الواضحة على وجوب الحجاب كفايةً وبلاغاً لمن صدق الله عز وجل في طلب الحق وصدق مع نفسه، وعلماء المذاهب الأربعة المتبوعة رحمهم الله يكادون يتفقون على وجوبِ تغطيةِ المرأةِ جميعَ بدنها عن الأجانب سواء منهم من يرى أن الوجه والكفين عورة ومن يرى أنهما غير عورة، لكنه يُوجب تغطيتهما في هذا الزمان؛ لفساد أكثر الناس، ورِقةِ دينهم، وعدم تورعهم عن النظر المحرم إلى وجه المرأة.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.





